الشيخ محمد علي طه الدرة

73

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

هذا ؛ ونقل عن علقمة بن قيس - رضي اللّه عنه - قوله : ما في القرآن : يا أَيُّهَا النَّاسُ * فهو خطاب لأهل مكة ، وما فيه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا * فهو خطاب لأهل المدينة . انتهى . ولكن إذا علمت أنّ تعاليم القرآن وأحكامه صالحة لكلّ زمان ومكان إلى يوم القيامة ؛ علمت أنّ النّداءين لا يتقيّدان بزمان ، ولا بمكان . كيف لا وقد علمت : أن سورة ( البقرة ) مدنيّة ، وأيضا سورة ( النّساء ) وسورة ( المائدة ) وفيهنّ من لفظ : يا أَيُّهَا النَّاسُ * الكثير ؟ ! . فائدة : النداء على سبع مراتب : نداء مدح ، ونداء ذمّ ، ونداء تنبيه ، ونداء إضافة ، ونداء نسبة ، ونداء تسمية ، ونداء تضيّف ، فالأول كقوله تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ ، * يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ، * والثاني كقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا ، والثالث كقوله تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ، * يا أَيُّهَا النَّاسُ ، * والرابع كقوله تعالى : قُلْ يا عِبادِيَ ، والخامس كقوله تعالى : يا بَنِي آدَمَ ، * يا بَنِي إِسْرائِيلَ ، * والسادس كقوله تعالى : يا نُوحُ ، * يا إِبْراهِيمُ ، * والسّابع كقوله تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ * . فائدة : وفي السمين ما نصّه : وإذا ورد « لعلّ » في كلام اللّه تعالى ، فللناس فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أن « لعلّ » على بابها من الترجي ، والإطماع ، ولكن بالنسبة إلى المخاطبين ، أي : لعلكم تتقون على رجائكم ، وطمعكم . وكذلك قال سيبويه في قوله تعالى : لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أي : اذهبا على رجائكما . والثاني : أنّها للتقليل ؛ أي : اعبدوا ربكم لكي تتقوا ، وبه قال قطرب ، والطّبريّ ، وغيرهما . والثالث : أنّها للتعرّض للشيء ، كأنه قيل : افعلوا ذلك متعرّضين لأن تتقوا . انتهى . جمل . وقريب منه في القرطبيّ . هذا ولا تنس ما ذكرته من القول : والترجّي في هذه الآية وأمثالها إنما هو بحسب عقول البشر ؛ لأنّ اللّه تعالى لا يحصل منه ترجّ ورجاء لعباده ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، ذكرت هذا فيما صدر لنا كثيرا ، وهذا أشمل ، وأخصر ، واللّه ولي التوفيق . والترجّي في هذه الآية ، ونحوها إطماع من ربّ كريم ، فيجري مجرى وعده المحتوم وفاؤه ، وأصل تَتَّقُونَ : توتقيون ، فأبدل من الواو تاء ، ثم أدغمت التاء في التاء ، وسكنت الياء بعد حذف ضمّتها ، ثم حذفت لالتقاء الساكنين ، فصار : « تَتَّقُونَ » ، ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو . الإعراب : ( يا ) : حرف نداء ينوب مناب : أدعو ، أو أنادي . ( أَيُّهَا ) : نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب ( يا ) و « ها » : حرف تنبيه لا محل له من الإعراب ، وأقحم للتوكيد ، وهو عوض من المضاف إليه ، ولا يقال : ضمير في محل جر بالإضافة ، لأنه يجب حينئذ نصب المنادى . النَّاسُ : بعضهم يعرب هذا وأمثاله : نعتا ، وبعضهم يعربه بدلا ، والقول الفصل : أنّ الاسم الواقع بعد أي ، واسم الإشارة ، إن كان مشتقا ؛ فهو نعت ، وإن كان جامدا كما هنا ؛ فهو بدل ، أو عطف بيان ، والمتبوع ، أعني : ( أيّ ) منصوب محلّا ، وكذا التابع ، أعني : النَّاسُ فهو